محاضرة علمية بعنوان: الاستعراب والمستعربون في أفريقيا جنوب الصحراء
طرابلس- ليبيا:
استضاف المركز الليبي للأبحاث والدراسات في مقره بطرابلس البروفيسور الخضر عبدالباقي محمد (مدير المركز النيجيري للبحوث العربية- نيجيريا) وهو أكاديمي وباحث بارز على مستوى أفريقيا في مجال الدراسات العربية والأفريقية، وقدّم الضيف محاضرة بعنوان (الاستعراب والمستعربون في أفريقيا جنوب الصحراء) ضمن منتدى الحوار الاستراتيجي، وقد أدار الجلسة العلمية الأستاذ الدكتور نصر الدين العربي، وقسّم البروفيسور الخضر عناصر محاضرته إلى:
1- أدبيات الاستعراب.
2- المستعربون الأفارقة.
3- تحديات الانتماء الثقافي.
4- خلاصة وتوصيات.
عَرَّف الاستعراب بأنه ما يقابل الاستشراق عند الغربيين، إلا أن مصطلح الاستعراب جاء متأخراً إذا قارناه بالاستشراق، وأول من استخدم هذا المصطلح كان في إسبانيا، فالدارسين الذين اهتموا بدراسة اللغة والثقافة العربية والتاريخ والأدب الأندلسي أُطلق عليهم “مستعربون”، وقد انتقل هذا المصطلح في وقت متأخر جداً لأفريقيا (تقريباً في العقدين الأخيرين).

المستعربون الأفارقة: عُرف (المستعربون الأفارقة) بأنهم الذين يهتمون باللغة والثقافة العربية في أفريقيا غير العربية، وهناك فارق كبير بينهم وبين المستشرقين، فالمستعربون الأفارقة (وكذلك الآسيويين) جلهم مسلمون، فهم لا يحملون نظرة صدامية مع اللغة والثقافة العربية، فالإسلام هو من عرّبهم، عكس وضع المستشرقين، وهناك تخصيص مكاني لهؤلاء المستعربون، فهم ينتمون لدول أفريقية غير عربية.
تصنيف المستعربون الأفارقة:
قال المحاضر أن المستعربون الأفارقة ليسوا كتلة واحدة، بل يمكن تقسيمهم إلى ثلاث فرق:
1-فئة تتكلم العربية وتعتز بالانتماء الثقافي العربي.
2-فئة لديهم حظ من اللغة العربية ولكنهم محايدون في ارتباطهم بالعربية، ويظلون محسوبين ضمن المستعربين، وهم يعملون في مناصب أكاديمية لتدريس العربية بحكم عملهم.
3-الفئة الثالثة لا يتكلمون العربية، ولكنهم يحبونها، وينافحون عنها، وهؤلاء هم الغالبية العظمى في أفريقيا غير العربية.
التحديات التي تواجه المستعربون الأفارقة:
قسّم المحاضر هذه التحديات إلى تحدياتٍ ذاتية:
1- إشكالية الوعي بالذات الثقافية.
2- ضعف إدراك الهوية الثقافية.
3-تراجع الكفاءة اللغوية.
4- انحسار دور النخبة.
وهناك تحدٍ آخر في بعض البلدان الأفريقية الفرنكوفونية كان يواجه المستعربون، حيث استخدم المستعمر الفرنسي سياسات عديدة لاستبعاد وتهميش هذه الفئة في المجتمعات الأفريقية غير العربية، فلا حق لهم في المناصب العليا، ولا في التعيينات الحكومية، ولا يمكن أن يحسبوا ضمن النخب التي تستعين بها الدولة في مختلف الوظائف، وحتى إن تم توظيفهم فرواتبهم أقل من نظرائهم الفرنكوفونيين، إلا أن هذه السياسات خفّت حدتها في العقدين الأخيرين بعد ضعف نفوذ المستعمر الفرنسي في معظم أنحاء القارة الأفريقية.

ويظل تحدٍ آخر يواجه المستعربين الأفارقة، وهو أنه تم حصر وظائف المستعربين الذين تلقوا تعليمهم في الدول العربية أو الإسلامية في المناصب الدينية أو الشرعية مثل المحاكم الشرعية أو شؤون الحج والعمرة، أو المحاماة الشرعية، وهذا يعود إلى التعليم الديني والشرعي الذي تلقوه، وإهمال باقي التخصصات العلمية الحديثة مثل الحاسوب، والعلوم الحديثة، والهندسة، والطب، وغيرها من تخصصات تحتاجها المجتمعات الأفريقية، وقد استدركت العديد من الدول العربية والإسلامية هذا الأمر؛ حيث يتم الآن توزيع منح دراسية في علوم حديثة مطلوبة، إضافة إلى العلوم الشرعية.
وهناك أيضاً تهميش يطال النخب الأدبية والثقافية من المستعربين الأفارقة في بلدانهم، مثل تهميش دورهم في اتحادات الكُتّاب، والتقدم للجوائز الأدبية، وكذلك تشويه صورتهم في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية مثل إلصاق تهمة السحر والشعوذة بهم، لأنهم يطالعون في الكتب العربية القديمة، ويتهمونهم بأنهم يعادون الحداثة، وهي نظرة نمطية جداً ومغلوطة تماماً.
كما طرح المحاضر تحديات خارجية تواجه المستعربين الأفارقة، منها:
1- اتهام المستعربون الأفارقة بأنهم أذرع للاستعمار العربي.
2- استدعاء أحداث تاريخية محددة مثل تجارة الرقيق التي مارسها بعض التجار العرب في فترات زمنية معينة في أفريقيا للطعن في توجه المستعربين الأفارقة إلى اللغة والثقافة العربية.
وختم البروفيسور الخضر هذه المحاضرة القيّمة بخلاصة وتوصيات، حدد فيها ما الذي يتوجب على العرب فعله دعماً لحركة المستعربين الأفارقة، وحددها في بضع نقاط:
1- ينبغي أن يكون للعرب مراجعة شاملة للمقاربة مع أفريقيا، مثل مراجعة البرامج والمشاريع التنموية التي تقدمها بعض الدول لأفريقيا غير العربية، فهي في الغالب قديمة، وتحتاج تحديث من حيث الرؤية والأهداف.
2- كيف يرى العرب أفريقيا؟ هذه النظرة أيضاً تحتاج مراجعة نقدية، مثل الاتفاقيات المبرمة بين الجامعات العربية ونظيراتها في أفريقيا غير العربية، وكذلك مراجعة السياسات الثقافية العربية.
3- تنويع المداخل العربية لأفريقيا، وعدم حصر المقاربة في مجال الدين الإسلامي فقط.
4- القيام بمراجعة نقدية لخطاب الهوية العربية حتى يصبح خطاباً حداثياً حضارياً جامعاً وليس عنصرياً.
وانتهت المحاضرة بفتح باب النقاش أمام الحضور، فتوالت المداخلات من كل من: الأستاذ جمال دويش (مدير إدارة البحوث والدراسات بالمركز الليبي للأبحاث والدراسات)، والأستاذ رامي كعال (مستشار بوزرة الخارجية الليبية)، والأستاذ حسين المزداوي (سفير بوزارة الخارجية الليبية)، ومن الأستاذة لطفية حامد أبوسريويل (مُعلمة تاريخ) ومن الأستاذ وسام صالح (باحث في الدراسات الأفريقية)، وقام المحاضر بالرد على كل الاستفسارات والتعقيبات مما أسهم في إثراء النقاش، وانتهت المحاضرة بصورة جامعة للحضور، وحفل شاي وقهوة.