النقائش الإسلامية الليبية: الواقع والآفاق
نظم المركز الليبي للأبحاث والدراسات يوم الأحد الموافق 14 يونيو 2026م على تمام الساعة 17:30 بمقر المركز محاضرة ضمن موسمه الثقافي بعنوان: (النقائش الإسلامية الليبية: الواقع والآفاق) ألقاها الدكتور علي الشائب العويني أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة الزيتونية- تونس.
بدأ المحاضر بتوجيه الشكر للمركز الليبي للأبحاث والدراسات على هذه الدعوة، وأعطى تمهيداً عن محصلة الدراسات النقائشية (المدونات) في العالم، وذكر بأن أول هذه الدراسات كانت مدونة صقلية للإيطالي “أمري” في عام 1875م، ثم مدونة النقائش العربية والتركية بالجزائر عام 1901م، ومدونة آسيا الصغرى في عام 1910م، والمقصود بالمدونة هو الدراسة العلمية الكبيرة المفصلة عن النقوش، معززة بالصور والخرائط.
وعرّف المحاضر ببعض الجهود العلمية العربية الأولى في مجال المدونات النقشية، مثل تونس، حيث كانت على يد الدكتور سليمان مصطفى زبيس ما بين عامي 1956- 1972م، وفي ليبيا كانت المدونات النقشية ضعيفة جداً مقارنة بغيرها من الدول العربية، وأولى المحاولات الجادة كانت من طرف المستشرق الإيطالي “إيتوري روسّي” بعنوان (النقوش العربية والتركية بالمتحف الإسلامي الليبي)، وهي دراسة ليست مفصلة، ولكنها محاولة جيدة في مجالها، ثم كانت جهود عالم الآثار الإيطالي “سلفاتوري أوريجما” الذي ركّز على دراسة تحصينات طرابلس الدفاعية.
وبالنسبة للمختصين الليبيين كانت المحاولات الأولى للأستاذ سليمان بلحاج، الذي نشر بحثاً عن “شواهد القبور ببرقة في العصر الإسلامي”، ثم الجهود التي قامت بها الباحثة إيناس بوبطانة من جامعة بنغازي، أما في المنطقة الغربية من الوطن، فتبرز جهود الباحث محمد سالم الورفلي الذي كرّس مؤلفه للكتابة عن “النقوش الأثرية في بعض العمائر الدينية بجبل نفوسة في ثلاثة مساجد”، وبعدها أنجز الباحث صاحب المحاضرة الدكتور علي الشايب العويني دراسته الموسعة المعنونة بـــ (النقائش بطرابلس الغرب خلال الفترة العثمانية 1551- 1911م، دراسة نقائشية وتاريخية) وناقشها بجامعة أكس مرسيليا- فرنسا عام 2014م، وهي مطبوعة في ثلاثة أجزاء باللغة الفرنسية ولم تترجم للعربية بعد، وقد دَرَس الدكتور علي في هذه الأطروحة عدد 159 نقيشة عثمانية جمعها من معالم مدينة طرابلس الغرب، يمتد حيزها الزمني من 1555 إلى 1906م، وأغلبها غير منشور من قبل، واهتم في دراسته بالجانب التاريخي والشكلي للنقائش (الزخرفة، مادة الصنع، الكتابة) مع الاحتفاء بالجانب اللغوي، سواء كانت في العربية أو العثمانية، وأرفق مع النصوص ترجمة وتعليق لتوضيح المضمون.
وقدّم المحاضر العشرات من النماذج المصورة لنقائش من شواهد القبور، والمساجد، والزوايا، والمدارس، والثكنات العسكرية، وعَرَض نقيشة من جامع درغوث الذي وصفه بأنه كان أول منشأة دينية عثمانية في طرابلس، وأيضاً عَرَض صور للساعة الشمسية (المزولة) التي كانت في احدى حوائط الجامع التي صنعها مصطفى الساعاتي عام 1590م.
ثم عرض نقوش من جامع ابن الطبيب في سوق الحرّارة بالمدينة القديمة بطرابلس وتعود إلى 20 جمادى الثاني 962 هجري (21 مايو 1555م)، ونقوش من جامع الناقة، وأعطى نبذة عن دار البارود وهي أول مَعْلم عسكري عثماني بطرابلس كما قال، مع عرضه لنقيشة من تلك الدار تعود إلى عام 1567م، ونقيشة أخرى من باب المنشية، ونقيشة من جامع أحمد كتخدا، ونقيشة من جامع مصطفى بن عبدالله في منطقة الظهرة، ونقيشة من جامع القبطان، ونقيشة من جامع المُكّني مؤرخة في شهر شعبان 1123هجري (سبتمبر 1711م)، ونقيشة أخرى من جامع النوفليين تعود لعام 1685م، وجدها مخفية خلف مكيف هواء على الجدار الخارجي للجامع.
وأكد المؤلف أن معظم النقوش في العهد القرمانلي كُتبت بالعربية بسبب تعريب دواوين الحكم على يد الأمراء القرمانليين، في حين في العهدين العثماني الأول والثاني كتبت بالعثمانية، خاصة في المباني العسكرية، كما عرض المحاضر لبعض النقوش من المعالم المائية المفقودة بطرابلس، مثل سبيل بومليانة.
وتحدث المحاضر عن موضوع علمي طريف، وهو شواهد القبور في بعض مقابر طرابلس أثناء فترات مرض الطاعون، الذي ضرب طرابلس أكثر من مرة، فأورد احدى النقوش على شاهد قبر يعود لعام 1606م في مقبرة سيدي منيذر الأفريقي، تذكر أن صاحب القبر مات بالطاعون.
كما أورد شاهد قبر حسن بك بن علي القرمانلي في مقبرة جامع أحمد باشا، الذي قُتل غيلة على يد أخيه يوسف، وذُكر في شاهد قبره أن مات مطعوناً.
وبكل أسف، أكد المحاضر أن 90% من النقوش العثمانية في طرابلس التي كانت تغطي العديد من اللوحات والشواهد قد تم تدميرها في الهجمة التي تعرضت لها الآثار منذ سنة 2011م ومازالت مستمرة إلى اليوم، وهي كارثة حقيقية حلّت على ذاكرتنا الوطنية.
وفي نهاية المحاضرة قدّم المؤلف توصية إلى مصلحة الآثار الليبية بأهمية تأسيس متحف للنقوش الإسلامية في ليبيا لحفظ الذاكرة والهوية الوطنية، ليجعل الشواهد الحجرية تتكلم وتنطق.
وفي نهاية المحاضرة التي أدراها رئيس المركز السيد/ محمود الغتمي، فُتح المجال للنقاش وتوجيه الأسئلة، فكانت العديد من المداخلات والتعقيبات من كل من: السيد/ صلاح خليل، والأستاذ إبراهيم الشريف من المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية، والشاعر والكاتب خالد درويش، والأستاذ وحيد الجبو، والأستاذ وسام صالح، والأستاذ الدكتور فتحي القاسمي، أستاذ متميز بمعهد التاريخ والحضارة بجامعة الزيتونة- تونس، وكان ختام هذه الأمسية الثقافية صورة جامعة للحضور، وحفل شاي وقهوة.

